غير ذلك

عنصرية الملونين

تقريبا لم يعد هناك ما يقال عن مظاهرات واحتجاجات مكافحة العنصرية، في الولايات المتحدة وغيرها من الدول، أكثر مما كُتب وقيل حتى الآن.

وإذا كانت من فائدة للتكرار، فإن العنصرية على أساس اللون والعرق وغيرهما موجودة في كل الدول والمجتمعات تقريبا وليست مقتصرة على أميركا وأوروبا، إنما تبدو أكثر فجاجة هنا أو هناك وتزيد حدتها وتنقص في مناسبات مختلفة.

لكن، يجب ألا نغفل حقيقة أن العنصرية ليست فقط في اتجاه واحد، أي من قبل البيض تجاه الملونين، وإن كانت تلك التي تحت الأضواء غالبا، باعتبار أميركا الشمالية وأوروبا وأمثالهما “بلاد البيض” الأكثر تطورا وتقدما. وإذا كانت عنصرية الملونين في تلك البلدان والمجتمعات تفسر، وربما تبرر، على أنها “رد فعل” فهذا لا يجعلها أقل شرا وضررا وبعدا عن مبادئ الإنسانية الأساسية.

صحيح أن عنصرية رد الفعل من جانب الملونين في المجتمعات ذات الأغلبية من البيض، تأتي نتيجة عنصرية البيض تجاه الملونين، لكنها أحيانا تكون نتيجة الشعور بالدونية (مركبات النقص) حتى لو لم يكن مبررا اجتماعيا واقتصاديا. فهناك ملونون أغنياء أو في مرتبة اجتماعية عالية، نتيجة تفوقهم المهني لكنهم أيضا يتصرفون أحيانا على أساس تلك العقد والمركبات، حتى لو لم يدركوا ذلك، والأمثلة على ذلك كثيرة وتضم مشاهير في أميركا وأوروبا.

والأخطر هنا هو عنصرية الملونين الممزوجة بمركبات النقص، فالنتيجة غالبا ما تكون نفاقا فجا للبيض لبلع عنصريتهم وسلوكا تمييزيا تجاه من يشاركونهم اللون أو العرق. وهناك عدد من المسؤولين في دول الغرب من الملونين الذين تجد عنصريتهم تجاه طوائفهم أقسى وأشد من عنصرية البيض. والأمثلة كثيرة أيضا وإن كنت لا أريد ذكر الأسماء، إنما هي معروفة وواضحة من تصريحاتهم العلنية ومواقفهم، خاصة في ظل الموجة الحالية من احتجاجات مكافحة العنصرية.

أما في بقية بلدان ومجتمعات العالم، فليست العنصرية أقل انتشارا مما هي عليه في مجتمعات الغرب، باستثناءات قليلة طبعا. وتجد تلك الدول التي لا تميز بين مواطنيها على أساس اللون أو العرق أو الدين تفاخر بذلك –عن حق– باعتبارها الأكثر تمسكا بمبادئ الإنسانية الأساسية والأكثر تسامحا.

وليست مفارقة أن أغلبية تلك الدول والمجتمعات ليست في الغرب الديمقراطي، الذي يعظ العالم طوال الوقت بالحرية ومبادئ حقوق الإنسان.

فغالبا ما تحتاج الدول إلى سن القوانين وتغليظ التشريعات في مجال ما، لمواجهة مشكلة تعانيها فيه، وذلك كي يفعل القانون ما لم توفره القيم والتقاليد والمبادئ التي يتمسك بها الناس من تلقاء أنفسهم، من دون حاجة لإغراء أو ردع.

وبصرف النظر عن سياسات الدول وقوانينها لمكافحة العنصرية، أو ترسيخ مفاهيم المساواة والتسامح، فإن الجماعات البشرية لا تخلو من العنصرية بدرجة أو بأخرى.

ومن يعرف إفريقيا جيدا، يعرف أن عنصرية الملونين تجاه الملونين الآخرين وأصحاب عرق ما أو أبناء قبيلة ما تجاه غيرهم، لا تقل عما نراه من عنصرية البيض تجاه الملونين. حتى في مجتمعات أميركا اللاتينية وآسيا، هناك أشكال من العنصرية، تذكرك أحيانا بممارسات القرون الوسطى. قد تكون تلك الأشكال من العنصرية مستترة في أحيان كثيرة، لكنها تظهر بوضوح في مواقف معينة.

وفي التكوينات الاجتماعية الأضيق، تجد أشكالا أخرى من التمييز تحمل مسميات أخرى في التغطية الإعلامية لها أو حملات النشطاء حولها، لكنها في جوهرها عنصرية أيضا.

وإن كان البعض يرى الاحتجاجات الحالية طبقية أيضا (اقتصادية/اجتماعية) وليست فقط بسبب التمميز العنصري، فإن هناك من أشكال التمييز العنصري لدى الملونين، ما لا يرتبط بالوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.

ربما يفيد التغيير في المؤسسات والسياسات في مواجهة بعض أشكال العنصرية، لكن مكافحة العنصرية بشكلها الأوسع –وليس فقط عنصرية البيض تجاه الملونين– تحتاج إلى جهد أكبر في ترسيخ قيم التسامح والمساواة ومبادئ الإنسانية.


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى