أعمدة الرأياخبار السودان

همس الحروف – في رحيل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان – الباقر عبد القيوم علي

أنه الموت الذي تنتهي عنده كل النهايات .. و الحقيقةٌ القاسيةٌ التى لا نجد مفر منها ، و هي التى تواجه أهل الدنيا قاطبة بدون إستثناء ، فلا أحد من الناس يستطيع ردها ، و لا يمتلك أحد منهم كذلك دفعها ، إنها الحقيقةٌ اللازمة و الملزمة التى ينعدم عندها طعم ملذات الدنيا و نعيمها ، و هو كما عرفه أهل الحكمة بأنه هازم اللذات و مفرق الجماعات ، و الموت مصيبة تتكرر في كل لحظة ، اليوم نجده تخطانا إلى غيرنا و غداً يتخطى غيرنا إلينا ، و قد فرضه الله علينا و لذا وجب علينا النعايش معه ، فنجده يمد يده إلينا مرة بعد مرة ويختار خياراً من خيارنا ، فيجدنا مستسلمين له و مسلمين أمرنا إلى الخالق ، فالموت حق لابد منه ، فهو مصير محتوم، يواجه كل المخلوقات ، و منهم البشر فلا يسلم منه الكبار أو الصغار ، و لا الأغنياء أو الفقراء ، و لا الضعفاء و الأقوياء ، و لا الحكام أو المحكومين .. إنه الموت و أنه النهاية التى يقف الجميع أمامها عاجزين لا يستطيعون معه حيلة ، ولا يملكون لرده وسيلة ، فالموت هو الموت ، فهو حق و واجب علينا ، و لكن ما يعزينا في ذلك هو وعد الخالق للنفس المطمئنة و هو أحسن الواعدين : بان النفس المطمئنة سترجع إلى بارئها راضية مرضية لتدخل في معية عباده الصالحين و جناته الفسيحة ، فطوبى لنا بهذا الوعد الصادق .

حينما بلغني نبأ إنتقال الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان الى الرفيق الأعلى ، إنقبض لذلك الخبر الحزين قلبي و رجعت بى الذكريات إلى الوراء سريعاً (18 عاماً) و كأنها البرق إلى ذلك اليوم الذي بلغنا فيه نبأ وفاة الوالد الشيخ زايد أسأل الله لهما الرحمة والمغفرة ، و وقتها كنت مقيماً بالامارات ، فقد عشت تفاصيل تلك اللحظات القاسيات و التي كانت من أصعب المواقف على الجميع في إستيعاب تفاصيلها ، حيث كانت قسوة الفقد تخيم على كل من كان على أرض الامارات ، فعشنا معهم الحزن الأسود لحظة بلحظة ، حيث لم أجد وقتها أحداً كان يعزي أحد ، فكلنا كنا أصحاب هذا الوجع و الفقد الجلل ، فكل الإمارات على إمتداد السبعة إمارات كانت عبارة بيت عزاء مفتوح ، و كل سكان الامارات كانوا أهل هذا العزاء ، و يبكون و يعزون أنفسهم قبل أن يعزوا بعضهم بعضاً ، فما أشبه اليوم بالبارحة و ما أعظم مصابنا في خليفة الذي كان نعم الخليفة في خلف والده ، فنجد دائماً عند مثل هذا الفقد الجلل يختل التركيز و يضعف الإستيعاب و يقل في تلك اللحظات الثبات و لهذا كانت آيات الله تبشر الصابرين الذين يستطيعون ضبط عواطفهم عند الوهلة الأولى التي تجزع فيها الانفس و يغطي فيها الحزن على القلوب و الصدور ، و التي يعز فيها الفراق و مرارة الفقد .. إنها لحظات قاسية أسأل الله أن يخفف وقعها عند هذه النوازل ، حيث يقول الله تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.) .

في هذا اليوم (الجمعة) 13 مايو 2022 م ، ترجل عن صهوة هذه الدنيا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة و قائد ركبها تاركاً خلفه ملفاً حافلاً بالإنجازات الممتدة و ذكرى خالدة معتقة برائحة تراب أرض الإمارات الطيبة و التي يطول فرعها ببسوق نخيلها ، و الغزيرة بغزارة مساجدها داخل و خارج الإمارات ، أنها ذكرى تملأوها الحكمة الصامتة و الصوت الخفوض الذي كان لا يعلو إلا في إستجلاب الحق و محق الباطل ، فطوبى لمن إستزرع الورود في كسبان الرمال و انبت فيها البساتين و فجر فيها الطاقات البشرية و جعل من بلاده قبلة لكل العالم .

اليوم يوم فقد عظيم يتلوي لمرارته جميع أبناء الإمارات و شعوب الأمتين العربية و الإسلامية و كثير من شعوب العالم التي يعرفون فضل وحكمة سموه ، و حتى المدن و الصحاري ، ستبكي عليه بدموع سخينة ستتفجر من تلك العيون و الينابع التى فجرها ابناء الإمارات في تلك الأرضي الطيبة .

إن الشيخ خليفة بن زايد يعتبر إمتداداً طبيعياً و تقليدياً لمسيرة العطاء و البناء التي خلفها الوالد المعلم و الحكيم زايد بن سلطان آل نهيان ، حيث كان خليفة قائداً فذاً من أميز القادة على المستوى الإقليمي و العالمي ، فهو اليوم في ذمة الله و نحسبه عند الله و هو أحسن الحاسبين من الأخيار الذين وثقوا لكثير من أعمال البر و الخير في العالم أجمع ، بيد إنه يعتبر من أبناء الصالحين الذين إختصهم الله بالعناية الربانية حيث ورد في ذكرهم : (وكان أبوهما صالحاً) .. و لقد كان أفضل اًنموزج للحكمة التي قادت الإمارات الى إستمرار الإستقرار و الإزدهار داخلياً و الإنطلاق خارجياً .

عزاؤنا الوحيد أنه قد ترك خلفه من الأخوان و الذرية من سيحملون الراية و الرؤيا و سيسيرون في نفس الدرب و بذات الهمة و النهج إن شاء الله .. و إني أسأل الله و هو أفضل من سئل أن يتغمده بواسع رحمته و كامل مغفرته و ان يرزقه الفردوس الأعلى بصحبة الأنبياء والمرسلين و الشهداء و الصالحين، أن يجعل البركة في ذريته و جميع أهله و شعبه و أن ينزل من السماء غيثاً على قلوبهم يكون لهم صبراً و سلواناً .. و إن العين لتدمع و إن القلب ليحزن  و لكن لا نقول إلا ما يرضي الله و رسوله ، إنا لله و إنا إليه راجعون و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. خالص آيات التعازي لشعب و حكومة الإمارات في هذا الفقد.الجلل و أخص بها كذلك كامل البعثة الدبلوماسية بالسودان و على راسها سعادة السفير حمد الجنيبي سفير دولة الإمارات العربية المتحدة بالخرطوم .

همس الحروف – الى شركة زانبور الأمريكية للطاقة – الباقر عبد القيوم علي


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى