أعمدة الرأي

همس الحروف – أنانية ساستنا قادت أمريكا للإلتفاف على السودان – الباقر عبد القيوم علي

تقوم المصالح الحزبية و المناطقية الضيقة خصماً من حساب المصلحة العامة كما نرى الآن في المشهد السياسي السوداني المتشظي ، و ما يحدث الآن في الساحة السياسية أمر خطير جداً و نذر شؤم كبير يصعب علاجه في المستقبل القريب .. تعيش معظم النخب السياسية هذه الأيام في سباق غير مسبوق لأجل الكسب السياسي الآني الرخيص الذي يعتمد على إسلوب الغاية التي تبرر الوسيلة ، و يصاحب هذا السلوك إختلال في المعايير التي تقوم عليها الثوابت الوطنية ، و من ما يحدث فقد علمنا أنه ليس هنالك قاسم قومي يوحد السودانيين بكل أطيافهم على كلمة سواء ، و كان من الممكن عبر هذا المعيار إذا لم يكن مختلاً عند البعض أن تتوحد هذه الثوابت و هذا لن يتوفر إلا بتوفر من يحملون حساً وطنياً عالياً ينبض بالحياة ، فكان من الممكن أن يكون العمل العام في إطار البرنامج المشترك و الرؤية الموحدة للقضية الكلية للوطن و إن إختلفت الأيدلوجيات ، فالإختلاف ينحصر فقط في كيفية الآلية التي تدار بها الدولة .. فتظل قضية الإختلاف قائمة بين المتخالفين و لا ضير في ذلك و لكن يجب ان تكون عين الجميع على الوطن مع محاولة إيجاد وسائل للحلول المشتركة لجميع الإشكالات المتعلقة بالدولة في المقام الاول والمجتمع ثانياً ، حيث ان الجميع يؤمن بالتغيير و التجديد فهو يعتبر سنة كونية في كل أشكال الممارسة الفعلية للحباة الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية و يعتبر من الأشياء الضرورية و اللازمة لإضفاء صفة الإستمرارية التي تدفع العجلة دفعاً ذاتياً ، فهذه الحركة هي التي تغذي روح تلك الإستمراية ، فضعف الحس الوطني عند النخب السياسية و عدم الدارية الكافية بمآلات ما تسوقه هذه التقاطعات الحادة و اللا مبالاة بالنتائج سهل على أعداء الوطن تمرير أجندتهم من خلال مداخل عديده إعتمدت على الإختلاف و الإنشغال بالمصالح الشخصية و الحزببة التي تعنى بالكسب الآني ، و في ظل استمرار الانانية السياسية للقوى والحركات التي تسيطر على الساحة تمكنت بعض الدول ذات المصالح من جرد كل حساباتها الاقليمية في المنطقة على حساب المصلحة السياسية العليا لقضية السودان على أرضنا .

و لعل السياسية الامريكية المنتهجة الآن اتجاه السودان ليست بالجديدة ، فهي تسير على نفس نسق سياسات الإدارات السابقة ، و ما يحدث الآن من فرض عقوبات على قوات الإحتياط المركزي لا يتعدي أكثر من كونه تهديد لقيادات بعينها ، حيث تمثل هذه القوة الشرطية القوة الوحيدة المعنية بفض الشغب و المظاهرات ، و حيث ان الإدارة الأمريكية لا يمكنها فرض عقوبات على إحدى إدارات الشرطة الصغيرة لأنها جزء من كل ، لان ما هو معلوم بالضرورة أن هذه الإدارة تتلقى جميع تعليماتها من هيئة إدارة الشرطة ، و حيث أن الشرطة جزء من اللجنة الأمنية و التي تقع تحت إدارة رئيس مجلس السيادة .. فنجد أن هذا الأمر عبارة عن أنبوب إختبار لقياس ردة فعل هذا القرار على حكومة السودان و الذي ستعقبه قرارات أخرى إذا إستكان الشعب في تمرير هذا القرار ، و خصوصاً أن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب على كل المحاور سياسياً ، عسكرياً ، قانونياً و اقتصادياً كخصم معلن لا يخفى نفسه ، و لكن الواضح من هذا القرار يعتبر أقذر أنواع التحدي السافر للسيادة الوطنية و خصوصاً أن ما تقوم به الشرطة السودانية لا يعتبر أمراً شاذا من مثل ما يحدث في دول كثيرة حول العالم .

بل الأخطر في ذلك هو إتجاه أمريكا إلى منحى أبعد بكثير عن ذلك عبر دبلوماسيتها ، حيث تبنى سفراء دول الترويكا بث شائعات خطيرة ، و هي أن مجموعة فاغنر الروسية تعتبر مرتزقة و تنخرط في أنشطة غير مشروعة بالسودان و تقوص الحوكمة الرشيدة و إحترام سيادة القانون .. و هذه النبرة العدائية إزادت وتيرتها بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها السيد نائب رئيس مجلس السيادة الى روسيا في هذا التوقيت ، و بهذا تكون الإدارة الأمريكية قد لوحت بكرت فرض عقوبات على القيادات وتضييق الخناق على الحكومة لإجبارها على تغيير موقفها من صفقة التقارب السوداني الروسي ، و هذه التصريحات التي تزامنت مع فرض عقوبات على الشرطة تعد سابقة خطيرة ومخالفة صريحة للأعراف الدبلوماسية .

وباعتقادي أن كل هذه الاجراءات والقرارات الامريكية التي اتخذتها و سعت إليها تنصب في اتجاه الانتقام من الحكومة السودانية لكونها متعاطفة مع الروس في حربهم مع أوكرانيا ، و حيث أن هذه الحرب قد كشفت ضعف العالم الغربي و خصوصاً أمريكا ، حيث كشفت روسيا أن ما تصدره أمريكا و العالم الغربي لا يعدو أن يكون أكثر من ضوضاء يصدرها المكيف الخربان و يعتبر إزعاج بدون برودة .

إن سياسة العنجهية الأمريكية التي تتبعها في بعض الدول يطرح تساؤلا هاماً حول مدى استمرار تلك السياسات العرجاء التي كانت تهدد بها العالم في السابق ، و هذا يجب ان ينصب في صالح المصالحة الوطنية وانهاء حالات الانقسام السياسي ، وتخلي الأحزاب والقوي السياسية والحركات عن الانانية التي تفضل بها مصالحها الحزبية على قضية الوطن الكلية .


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى