أعمدة الرأي

انواء – رمضان محجوب – سيكولوجية عنف (المواكب)

منذ اكثر من ثلاث سنين لا زال العنف المتبادل سيدا للمشهد الثوري في السودان.

مئات الضحايا دفعوا فاتورة هذا العنف واكان اخرهم العميد شرطة بريمة الذي اغتيل مساء الخميس بموقف شروني.

وقبل العميد بريمة دفع المئات من الشباب ارواحهم جراء هذا العنف.

ما يحدث يجعلنا نعيد البحث في اسباب ومبررات حالات هذا العنف المتمدد في كل مكان.

من ناحية سيكولوجية في مثل هذه الحالات يتفق علماء النفس الاجتماعي أن “الفرد ما أن ينخرط في جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة لم تكن موجودة فيه سابقاً” أي أن الأفراد بطبيعتهم وتصرفاتهم يختلفون عند وجودهم في جماعة أو تكتل بشري) .

وقريبا من ذلك يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجيا الجماهير” المنشور في بداية القرن الماضي، ان الإنسان إذا انضم إلى الجماعة يصبح منوماً مغناطيسياً”.

لوبون اشار الى طبيعة التغييرات التي تطرأ على الجمهور في حالة انخراطه ضمن جماعة، بقوله أن أفراد الجمهور ينصهرون في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفف من مستوى الملكات العقلية، فالجمهور يؤثر على الفرد ويغير بقراراته ومستوى تفكيره، وأحيانا يكون التغيّر الى النقيض تماماً.

باسقاط حديث لوبون علي المشهد السوداني تحديدا في المواكب التي تخرج الي الشارع نرى بوضوح ان السلوكيات التي شهدتها المواكب وجميعها ينطبق مع التوصيف الذي حدده الكاتب لوبون في كتابه.

لوبون يقول ان بعض المشاركين ينتابهم الشعور بالتهرب من المساءلة مما يدفعهم الى المشاركة بأعمال مخالفة للقانون كالهجوم على رجال الأمن والقيام بأعمال تخريبية وحرق المؤسسات الحكومية وتدمير الممتلكات العامة.

فوجود الفرد كما يقول لوبون ضمن المواكب يكسبه شعور بالتهرب من المساءلة القانونية.

السلوك الأخطر هو استخدام الأسلحة تحت غطاء الجماعة، وهنا برز دور بعض الأشخاص الذين كان هدفهم تأجيج الصراع، خصوصاً أن الجمهور يتحرك بشكل لا واع بعكس الأفراد.

السلوك الاخير يفسر تدخل بعض السياسيين والقوى الخارجية في الحراك الشعبي والسعي المتواصل لاستغلاله وتطويعه ليكون مطية لاهدافهم .

من الثابت ان في مثل هذه الحراكات فان الجماهير بحاجة للخضوع لمحرك “الأشخاص الذين يقودون المواكب في الشارع” وهذا المحرك ظللنا نشاهده كثيرا في المظاهرات، ويستخدم أسلوب الهتاف والغناء لجذب العاطفة وإبعاد العقل.

من السلوكيات الخطيرة للجماهير هي الخضوع للإشاعة وتناقلها بشكل سريع، خصوصاً إذا كانت ذو طابع سيء “تحمل أخبار سيئة في مضمونها” كأخبار الخطف والاغتصاب والقتل التي انتشرت مؤخرا.

في اعتقادي ان مثل حالات هذا العنف لا يعيها الفرد، ومع ذلك ارى ان أغلب علماء النفس الاجتماعي استطاعوا رصدها ودراستها وتحديد أثرها، وربما التوصيف الذي أعطي للثورة الفرنسية “بأنها الثورة التي قتلت أبنائها” يعلل هذه الأسباب، فهل ستسلك ثورات “مواكب السودان” هذا الطريق في سبيلها لتحقيق المدنية الكاملة) ؟


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى