أعمدة الرأي

همس الحروف – الأكاذيب المدسوسة في بيان أحد الأحزاب العجوزة – الباقر عبد القيوم علي

تخيلوا معي أن حزباً عريقاً يقوم بإصدار بيان فطير من أجل كسب سياسي لحظي رخيص ، و لقد تم إخراجه بسناريو ضعيف يفتقر إلى الموضوعية ، و لقد جاء مهزوزاً ، فحمل كثيراً من دلالات الضعف ، أبانت أن النص يحمل تجريم الآخرين أكثر من المضمون الذي كان من أجله البيان ، و أجزم أنه كٌتب على عجل بصورة تصف إرتجال صيغته التي أتت بلسان حال ناشط سياسي حديث يفتقر إلى فن الحرفة و الكياسة السياسية و النظرة الإستراتيجية البعيدة ، مما أورد هذا الحزب بئر النفاق السياسي الذي يقود به عدد ضخم من شباب السودان بدون حذر من مخاطر الإخفاق التي يتم عندها تغبيش الحقائق ، و خصوصاً أن كثيراً من المثقفاتية يعتقدون في فكر هذا الحزب و رؤيته العميقة و نظرته الإستراتيجية للأمور ، حيث تم خذلانهم بما ورد في سطور هذا البيان الذي كان موضوعه الرئيسي هو إستنكار الاتفاق السياسي بين المكون العسكري و السيد دولة رئبس الـوزراء سعادة الدكتور عبد الله حمدوك ، و ما هو معلوم بالضرورة أن هذا الإتفاق تم بموجب ضغط عالمي كان شديداً من دول الغرب مجتمعة ، وليس كما أوضح هذا البيان في إتهامه لبعض دول المنطقة التي وصفها بالطامعة و إستخدم لوصف ذلك عبارة مخزية و هي (نهب) ثروات السودان ، و حتى إذا إختلفت الرؤى السياسية كان من الممكن الإنتقاد بدون تخوين أو سباب و شتيمة ، و بكل أسف ذكر دول شقيقة و صاحبة مواقف عظيمة مع الشعب السوداني ولا أريد أن أقول قبل ، و لكن بعد ثورة ديسمبر المجيدة ، حيث يشهد لها التاريخ بتلك الوقفات الجبارة التي كانت و ما زالت سنداً لهذه الثورة ، حيث حاول البيان تقليل دور هذه الدول و وقفاتها مع الثورة و حاول شيطنها و هي : مصر ، الامارات ، السعودية حيث وصف بأنها دول سخرت إمكاناتها من أجل نهب خيرات السودان من ذهب و محاصيل نقدية و أراضي زراعية خصبة ، و لهذا يجب أن نتوقف قليلاً عند كل نقطة ذُكرت في هذا البيان في شأن هذه الدول التي نجدها (خيراً فعلت مع شعب السودان في كثير من المواقف و شراً وجدت من أمثال هذه النخب السياسية التي لا تقدر المواقف) . و حقيقة أن هذه الإدعاءات يتداولها من فترة ليست بالقريبة بعض الذين ليس لديهم دراية ببواطن الأمور عبر وسائل التواصل الإجتماعي و لكن ما لم أكن أتوقعه أن هذا الحزب و بهذا الحجم يردد نفس إسطوانة نشطاء الأسافير المشروخة التي تفتقد المصداقية حيث ألصقت بهذه الدول الشقيقة جريمة ليس لهم فيها يد ، و مثل هذا الإدعاءات الكاذبة تقوم بتوقير صدور شعوب تلك الدول ضد شعب دولتنا ، و هي بريئه تماما ً من هذا الإتهام الذي تمت حياكته في ظلمة حالكة السواد ضدها ، و هذا البيان يعتبر هزيمة لهذا الحزب صاحب التاريخ العريق ، الذي لم يكن موفقاً في إنتقاء تلك العبارات التي تم زجها و أدخلت هذه الدول مجتمعة أو متفرقة في دائرة النهب و السرقة ، و كاتب هذا البيان يعلم علم اليقين بحقيقة من يقوم بتصدير الذهب عبر القنوات الرسمية أو غير الرسمية عن طريق التهريب ، فهم من بني جلدته من السودانيين و لا أحد يفعل معهم ذلك من أفراد شعوب تلك الدول ، و كما لم يتم إرغام أحد منهم على فعل ذلك ، حيث يتم هذا الأمر فقط بغرض تحويل العملة السودانية المحلية إلى عملة أجنبية عبر عمليات تجارية تتم أحياناً بصورة شرعية و أحياناً أخرى بصورة غير شرعية و لكنها تصب في مصلحة المصدر أو المهرب من أفراد الشعب السوداني و ليس لتلك الدولة المعنية علاقة بذلك لا من بعيد أو قريب ، فإذن من هو الناهب في مثل هذه الحالة و لماذا يتم رمي دول المحيط الإقليمي بهذه الفرية ، و لماذا حاول هذا البيان الزج بهم في معركة كهذه تفتقر إلى الحقائق الموضوعية التي يمكن أن تتقبلها العقول التي تم إستهدافها بهذا البيان ، و كما تعرض أيضاً لذكر المحاصيل النقدية ، و لقد ذكر هذا البيان الفطير “الصمغ ، السمسم ، الكركديه ، التبلدي و الماشية ، و الكل يعلم علم اليقين أن هذه السلع يتم تصديرها إلي مصر أو غيرها من الدول الأخرى وفق مستندات رسمية و تخرج عبر قنوات الدولة الرسمية في عمليات تبادل تجاري و تحكمها قوانين و ضوابط ، فكيف تسمى مثل هذه العمليات التجارية ب(النهب) ؟ ، فهل تغيرت معاني الكلمات خلال هاذين العامين الماضيين ، أم حدث شيء آخر … أما عن الإستثمار الزراعي ، فكل الدول الزراعية التي حالها من حال السودان و لها أراضي زراعية خصبة و شاسعة فإنها تقوم بالترويج للإستثمار في أراضيها الزراعية وفق خطط مدروسة و محسوبة النتائج و بعناية فائقة ، و هذه الدول تقدم إغراءات للمستثمرين على أرضها ، وكما تقوم أيضاً بتقديم الضمانات الكافية التي تكفل حقوق المستثمرين ، و تشجعهم على الإستثمار في أراضيها ، فكيف يسمي هذا البيان مثل هذا الإستثمارات نهب لأراضي الدولة و كيف يتم وصفه بالتفريط في السيادة الوطنية .

في مثل هذه الأمور يجب توخي دقة الألفاظ بعناية حتى لا يتم خدش الآخرين بإدعاءات باطلة ، حيث أنني لا أريد أن أذكر أسماء بعينها ، و لكن يؤسفني سقوط الكبار في فخ مستنقع السياسة ، و لا أدري من هو ذاك الصغير الذي كتب هذا البيان بإسم هذا الحزب العريق، حيث كان من الممكن إن يستنكر الإتفاق السياسي دون التعرض لدول الجوار بفرية عظيمة مثل عبارة (نهب) ، و ما هو معلوم بالضرورة أن هذا الإتفاق تم بضغط دولي لعبت فيه الولايات المتحدة الأمريكية دوراً محورياً كان واضحاً بمعاونة الإتحاد الأوربي و الأمم المتحدة ، و لهذا كان من الواجب بمكان أن يتحدث البيان عن مصالح هذه الدول الإستعمارية في السودان و ما يريده هؤلاء الخونة من دولتنا ، الذين تنشط قواهم في هكذا أمور ، فمن لا يعلم بوقفة مصر مع السودان فعلية المراجعة لمعرفة الحقائق في ما تم إنشاءه من بني تحتية و جسور في منطقة الفشقة و كان ذلك مع كامل المعدات التى تم بها البناء ، و هذا غير المساعدات العسكرية اللوجستية التي قدمتها مصر في تحرير الفشقة و ما زالت تقدمها ، و علاوة على ذلك الربط الكهربائي الذي أسهم في تعزيز الإستقرار الجزئي للتيار ، و كذلك مشروع تطوير ميناء وادي حلفا و مشروع الربط السككي الذي يسير على قدم و ساق مما سينعكس ذلك على الميزان التجاري في المستقبل القريب ، و هذا خلاف تخفيض الرسوم الدراسية لطلاب الجامعات و المعاهد العليا بنسبة تصل في بعض الأحيان إلى 90 % مما سيعزز ذلك ملف العلاقات الثقافية بين البلدين ، و أما عن المملكة العربية السعودية و دولة الإمارات العربية المتحدة فلا أحد يستطيع إنكار ما قامتا به إلا إذا كان بعينيه رمد ، فقد قدمت هاتان الدولتان الشقيقتان حزم من المساعدات التي بلغت في مجمل قيمتها 3 مليار دولار ، فكانت منها 500 مليون دولار وديعة بالبنك المركزي ، و لقد تم تخصيص ما تبقى من مبلغ لتغطية الاحتياجات الأخرى من غذاء و دواء و مشتقات نفطية إستفادت منها حكومة الفترة الانتقالية ، فإنعكس ذلك إيجاباً على الإستقرار النسبي في البلاد ، و كما أن هاتان الدولتان أسهمتا في تجسير العجز في ميزان المدفوعات الشيء الذي ساعد على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي بالإضافة إلى تلك الجسور الجوية التي تحمل الخير من بلاد الخير كمعونات إنسانية من مركز الملك سلمان و جمعية آل مكتوم الخيرية و الهلال الأحمر الإماراتي ، و لهذا كان من الواجب على هذا الحزب العجوز الحفاظ على مكانته بالإلتزام بالحكمة التي تقول : لا تتدخلوا في معارك مع محيطكم الإقليمي لأنه يمثل العمق الإستراتيجي لكم ،، فمثل هذه المعارك مهما ظن فيها المتحدث أنه منتصر فهو مهزوم ،، بيد أن مثل هذه التهم تولد أحقاد تتوارثها شعوب المنطقة و قد لا تنسى في المستقبل ،، و لذا كان من الواجب ضبط الألسن وعدم رمي الغير بمثل هذه التهم القبيحة التي تقدح في إخوة أعزاء و جيران أشقاء و أحباء .

فاعلموا أن الدنيا لاتدوم لأحد ،، والفائز هو من سيرحل عنها مخلفاً أثراً طيباً يذكره به الناس من بعده .. و لهذا أرجو من هذا الحزب العريق الحفاظ على خطه الأحمر الذي بدأ يتحول إلى لون رمادي قاتم يقترب من السواد في أيامه الأخيرة .


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى