أعمدة الرأي

همس الحروف – من الذي قتل المتظاهرين في مدينة بحري 2/1 – الباقر عبد القيوم علي

الحلقة الأولى

إنه من المثير للإهتمام و الملفت للنظر ما حدث في مسيرة 17 نوفمبر بمدينة بحري بالعاصمة الخرطوم ،حيث تفتت قلوبنا ونحن نتابع و نرى أولادنا وهم يتساقطون أمامنا في الأحداث الأخيرة واحد تلو الآخر بقنص كان هو الأكثر إحترافية على الإطلاق في نوعه و في هدفه ، حيث كان الإستهداف ينال خياراً من خيارهم في منطقة المؤسسة بمدينة بحري بصورة أدمت قلوب كل من رآها أو حتى من سمع بها ، ففجعت الأسر لذلك ، لترتقي معها أرواح و حصيلة الشهداء ، في وقت كان يبدو فيه مسلسل قتل المتظاهرين في هذه الاحتجاجات من أخطر الأمور التي كانت تدار بإحترافية في أستهداف ضحاياها ، و لكن تبع ذلك تضارب و تعتيم شديد في أعداد الشهداء ، حيث كانت الأسافير وبعض القنوات الفضائية تنقل ذلك عن لسان لجنة الأطباء المركزية وليس من جهة رسمية في الدولة ، فهنا يبرز لنا سؤال مهم ربما ليس من السهل العثور على إجابه مقنعة له ، و هو من الذي يقتل المتظاهرين ؟ ، حيث ظلت الشرطة تنفي بإستمرار ما كان يحدث من جرم بإعتبار أنها هي الجهة الوحيدة في السودان المسؤولة عن تفريق مثل هذه التجمعات و الإحتجاجات و خصوصاً إذا أصبح وجودها يشكل مهدداً أمنياً على سلامة المجتمع ، صحيح أن هنالك إستهداف كان واضحاً للبنى التحتية في الطرق و مصارف المياة بصورة خصمت كثيراً من رصيد الشباب المحتجين أصحاب القضية الأصليين ، و لكن ذلك ليس بدافع قوي يقود الشرطة لإرتكاب مثل هذه الفظائع المدعاة عنها ، على الرغم من تعمد بعض الشباب من إتلاف أعمدة الإنارة التي بلغ التالف منها أكثر من 300 عمود إنارة في مدينة بحري فقط و هذا خلاف الإشارات الضوئية التي يكلف إنشاء وحدة التقاطع الواحد منها مبلغ 250 مليون جنيه ، و كذلك عمليات التخريب التي تم بموجبها نزع الأنترلوك على إمتداد عشرات الكيلو مترات ، و قد صاحب ذلك تفلتات و تعديات إستهدفت رجال الشرطة حيث تم حصبها بالحجارة مما تسبب ذلك في عدد من الإصابات البالغة و المتفاوتة لعدد مقدر من رجال الشرطة ، و ما هو معلوم بالضرورة أن الشرطة هي الجهة المنوط بها حماية المنشآت العامة و الخاصة .

الإعلام هو من يقوم بتوجيه أفكار الناس سلباً أو إيجاباً في مثل هكذا حالات و لهذا نجد أن هنالك قلة من الإعلاميين الذين روجوا ترويجاً سالباً إفتقر للمهنية من أجل إحداث شرخ نفسي بين الشعب و شرطته و خصوصاً بعد ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد خالد مهدي إبراهيم مدير عام الشرطة الذي إستعرض فيه بعض من نتائج هذه الأحداث الدامية ، فنجد من بينهم من قام بأخذ مفردات من بعض حديثه بصورة كانت مغلوطة للغاية و تفتقر للمهنية و أمانة النقل ، و روجوا لها من أجل شيطنة هذه المؤسسة بمحاولة تثبت صورة ذهنية سيئة عنها ، حيث أن السيد المدير تحدث عن واقع ما يجب أن يكون عليه الإنضباط العام و الخطوات القانونية التي يجب إتباعها عند تدوين حالات الإصابات و الوفيات في هكذا أحداث ، و أن كانت الشرطة طرفاً في ذلك أو لم تكن ، حيث أنها هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن السجل المدني الذي يقوم بتدوين سجل المواليد و الوفيات في الحالات العادية ، فضلاً عن مثل هذه الوفيات التي نتجت عن جرائم قتل ، فما جرت عليه العادة و هو من المتطلبات القانونية (دخول هذه الحالات) إلى المستشفيات عبر أورنيك 8 الذي يصدر من مراكز الشرطة بعد تدوين بلاغ بالواقعة يكمل فيما بعد بتقرير الطبيب المختص الذي يحدد حالة المصاب و درجة الإصابة التي يمكن أن تكمل إلى بلاغ قتل حال توفى المصاب ، فأما في حالات الوفيات فيتم نقل الجثامين إلى المشرحة بأمر من وكيل النيابة و بواسطة الشرطة لمعرفة أسباب الوفاة من قبل أطباء الطب الشرعي من أجل تكملة إجراءات البلاغ ، و هذا ما كان يقصده السيد مدير عام الشرطة حيث ذكر كل ذلك في معرض حديثة من واقع دفتر أحوال الشرطة وكان العدد المسجل وقتها في سجل البلاغات كنتيجة من الإصابات التي صاحبت هذه الأحداث هو حالة وفاة واحدة ، و لكنه لم يقصد التقليل من عدد الشهداء الذين تساقطوا في هذه الأحداث و انما نفى علمه بهم من واقع سجلات الشرطة ، لأنه لم يتم تدوين بلاغات بذلك ، و كما إنه إستنكر و إستقرب لحالات مخالفة القانون بإستلام المشارح للجثث بدون الخطوات النظامية التي يقرها القانون و التي بدورها تحفظ حقوق الموتى .

من تابع مجريات هذه الأحداث بحيادية مجردة بدون محاولة منه للزج بها في دهاليز التعقيدات السياسية يجد من الصعوبة بمكان تقبل تلك الفرضية التي تسوق فيها أصابع الإتهام إلى مؤسسة الشرطة ، و خصوصاً أنها ليس لها أي غبينة تسوقها إلى إرتكاب هذه المجزرة و هذه الفظائع مع شباب الثورة ، حيث ما زلنا نذكر كيف تعاملت قوات الشرطة في السابق برقي مع مثل هذه الأحداث و خصوصاً إدارة النجدة التي قامت بتوزيع الماء البارد و الحلويات و أعلام السودان على المحتجين في بعض المظاهرات السابقة ، فلماذا راج في منصات التواصل الإجتماعي أن الشرطة هي من تقتل المتظاهرين في هذه الأحداث ، و لكن هنالك سؤال مهم جداً يفرض نفسه وهو ما الدافع الذي يجعل من الشرطة وحشاً كاسراً ضد شعبها ، أم يحدث ذلك فقط منها من أجل تعزيز فكرة وحشيها بدون مبرر مقنع للمتلقي، و ما هي الفائدة التي تجنيها من هذا الأمر إذا ثبت فعلاً أن بعضاً من منتسبيها هم من قاموا بذلك ؟ ، عموماً أنا لا أريد أن أبرئ ساحتها ، فهي تستطيع أن تدافع عن نفسها و لا تحتاج إلى أحداً من الناس في ذلك ، حيث ما زالت بإجهزتها المختلفة و بمساعدة القوات النظامية الأخرى تواصل بحثها و تحرياتها عن الجناة و لهذا يجب أن يكف أصحاب الغرض الذين يقومون بطمس الحقائق عن أفعالهم الشيطانية التي تهدف لـ «دق» إسفين في العلاقة الجميلة بين الشرطة و شعبها ، حيث إستطاعت الشرطة إستعادة مكانتها بواسطة وعي رجالها الشرفاء الذين إنحنوا لتلك العاصفة إلى أن مرت بأمن وأمان و سلام ، و فرضت مرة أخرى إحترامها و هيبتها التي إفقدتها أبان ثورة ديسمبر المجيدة ، و التي تم فيها شيطنتها بدون مبرر من بعض قصيري البصر و البصيرة ، هدانا الله و إياهم إلى سواء السبيل .


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى