أعمدة الرأي

همس الحروف – معاوية البرير بين مطرقة ضياع حقوقه و سندان التمكين – الباقر عبد القيوم علي

اعمدة الرأي

أريد أن أرجع بكم قليلاً إلى بدايات الإنقاذ و أذكركم بذلك العميد بحري صلاح الدين كرار ، احد كبار اعضاء المجلس العسكري الإنقاذي ، الذي ترأس اللجنة الاقتصادية .. تلك اللجنة التي كانت تعتبر السوط الذي يتم به جلد وتأديب كل من يخالف هوى الإنقاذ من رجال المال و الأعمال الذين كانوا لا يتفقون مع خط سيرها ، وكما كانت سيفاً بتاراً و مسلطاً لدق أعناق كل الذين تريد الأنقاذ ألا ينشذوا عن سطوتها و تأدب بها بقية الشعب حسب هوى من يسيرها ، فلقد كانت كارثة و وكسة على الشعب السوداني راح ضحيتها نفر عزيز من بلادي أمثال مجدي محجوب الذي تم إعدامه في مال ورثة كان مؤتمناً عليه ، و كما أعدمت الطيار جرجس بطرس ، و كذلك تم إعدام طالب لم تسعفني ذاكرتي في إستحضار إسمه ، كان يدرس بجمهورية مصر العربية لم يعلن في المطار عن مبالغ كانت بحوزته .

في تلك الأيام لم يكن من السهل الحصول على مثل هذه المعلومات كما الآن و ذلك للقبضة الامنية القوية و التعتيم حول مثل هذه القضايا و إنعدام وسائل التواصل الإجتماعي ، التي جعل وجودها الآن من العالم قرية صغيرة جداً في سرعة التواصل و إنتقال المعلومة و الاخبار .

لقد دعت هذه اللجنة الإقتصادية لمؤتمر إقتصادي جامع من أجل إستجلاب رؤوس الأموال المحلية و الأجنبية بغرض الإستثمار ، وحينها كنت ضيفاً بالمملكة العربية السعودية و لقد قابلت أحد كبار رجال الأعمال السعوديين ، و سألته من باب الونسة لماذا لم تذهب إلى السودان من اجل المشاركة في ذلك المؤتمر الإقتصادي ؟ ، فحقيقة ألجمني الرجل برده الذي قل فيه كلامه ودل حيث قال فيه : لقد ذبحت حكومتكم رجل أعمال سوداني من خيرة أبناء السودان في حر ماله ، فماذا سيفعلون بالأجنبي ، و كان يقصد الشهيد مجدي محجوب ، حقيقة لم استطع أن أرد عليه أبداً .

ما حدث للسيد معاوية البرير من قبل لجنة التمكين ليس بالأمر الهين الذي يمكن أن يمر هكذا مرور الكرام بالنسبة للمستثمرين الأجانب الذين يراقبون حركة الإستثمار في السودان في ظل هذا الإنفتاح في وسائل التواصل الإجتماعي وسرعة إنتقال المعلومات ، و يعتبر هذا السلوك الذي إتخذته لجنة التمكين مع هذا الرجل سلوكاً غير موفقاً لخطورته البالغة و ما سيحمله هذا السلوك من رسائل تحذيرية لكل من كانت له نية في الاستثمار في السودان و خصوصاً أن العالم كله يعرف إمكانيات هذا الرجل و أسرته قبل و بعد الإنقاذ و ليس له علاقةً بما حققه البعض من مكاسب في حقبة الإنقاذ ، و كان من الممكن ان يتم إستدعائه بالهاتف بدون إختيار التوقيت الخاطي لتنفيذ أوامر القبض التي يقصد بها تأديب الشخص المعني في الوقت الميت من الإسبوع و التي تشمل الخميس و الجمعة والسبت و تعني السجن الإجباري لمدة 72 ساعة مع قبح الطريقة التي يتم بها القبض .

هذه الرسالة التي أرسلتها لجنة إزالة التمكين قطعاً و بلا شك لها مدلولها السالب على سمعة السودان الخارجية و خصوصاً اننا ما زلنا نجدد الدعوة لإستقطاب الإستثمار الأجنبي ، و كما أن المستثمرين الأجانب الذين كانت لديهم الفكرة في الإستثمار في السودان في ظل هذا العهد الجديد ما زالوا حذرين من الدخول الى السودان .. و كنا نأمل في اتساع رقعة الإستثمار الأجنبي فيه ، فكيف نستطيع أن نبرر للعالم هذا السلوك الذي حتماً سيشين بسمعة السودان في مجال الاستثمار خصوصاً بعد أن عُرف أن أصل البلاغ عبارة عن حقوق مطلبية خاصة ليس لها علاقة بالتمكين و كما لم يكن السيد معاوية البرير طرفاً مباشراً فيها لأن تاريخ المطالبة من المزاعين بحقهم في هذه القضية كان يسبق التاريخ التي آلت فيه ملكية المحلج إليه ، و كان من الأجدر وفق منظور المهنية أن تُنظر مثل هذه القضايا في المحاكم المدينة ، و ليس للنيابة أي دخل فيها ، و خصوصاً إزالة التمكين لم تكن هي المعنية بمثل هكذا بلاغات و هذا أمر معلوم لكل الناس ، و حقا انه لامر مؤسف حيث ليس هنالك أي رابط يجعل من إزالة التمكين طرفاً في هذه القضية ذات الحقوق المطلبية الخاصة .

بهذا التصرف غير المسؤول تكون إزالة التمكين قد أرجعت سمعة السودان مئة سنة ضوئية الي الوراء في ملف الإستثمار وخصوصاً ما يتعلق بالإستثمار الأجنبي و نحن في أشد الحاجة لدخول رؤوس هذه الأموال التي يمكن أن تنقل السودان نقلة نوعية ، و لهذا لن يستطيع السودان أن يرسل رسائل حقيقية و صادقة تطمئن الذين يرغبون في الإستثمار في بلادنا و تجعلهم يتخذون القرار الموجب ، و رسالتي الأخيرة لمثل هؤلاء الذين تحملهم الموجة على ظهرها و تمنعهم الأخرى من النظر الى الأمام حيث يتركز مدى رؤيتهم فقط في تلك المساحة الضيقة بين الموجتين والتي هي عبارة حفرة سوداء تثير الرعب بالنسبة للمراقبين لمشهد الإستثمار في السودان ، فإذن كيف سنقرأ ردة فعل هؤلاء المستثمرين الآن و خصوصاً إذا قرر السيد معاوية البرير حزم أمتعته و مغادرة السودان برأس ماله الى الجارة إثيوبيا التي تحترم و تخصص مكاناً عظيماً لكل من يقصدها مستثمراً .

أقول لأخي معاوية البرير أرجو منك ألا يضيق صدرك بمثل هذا السلوك الفردي الذي نظر فقط من الزاوية الحرجة التي يسلط عليها الضوء عند عبوره من وسط إلى آخر ، حيث لا تهمة نتائج أفعاله على المستوى القومي لأن زاوية السقوط كانت بزاوية أكبر من الزاوية التي وقع عليها الفعل في الوسط الآخر ، وقطعاً مسلط هذا الشعاع لن يعاني من انكسار أو تراجع حزمة ضوئه ، و رحم الله العالم (اسنل) في نظريتة في حسابات الزاوية الحرجة ، التي تمنع مسلط الضوء من رؤية أثر ردة فعله لضيق أفقه أو لان الضوء لا ينكسر و لا يعاني من الانعكاس الداخلي الكامل ، فمن أين يكون له العلم بما سيلحقه من أضرار كارثية على المد القومي ؟ .


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى