اخبار السودان

جريدة بريطانية تتساءل: هل تظل الحركة الشعبية شوكة في خاصرة السودانيين؟

وكالات- نبض السودان

لا تستطيع أن تكون في غير مناطق الصراع إذ تتوفر لقواتها قوانين مرنة تمكنها من التدخل ضد أي عمليات معادية لمهامها

 

تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان على يد زعيمها جون قرنق، وفق عقيدة سياسية عسكرية تقع في مرتبة بين الشعبوية والأيديولوجية الشيوعية، ولذلك نجحت في خوض حرب شرسة مع الحكومة السودانية في عهد النظام السابق الذي حرك الشباب بأيديولوجية “الجهاد الإسلامي”، إلى أن انفصل جنوب السودان إلى دولة مستقلة عام 2011.

وتواصل الحركة نشاطها الآن في البلدين بعد سقوط النظام، وتقود معارك ظهرت في تعنت فصيل عبد العزيز الحلو قائد الحركة في الشمال بعد انشقاقه عن الفصيل الآخر الذي يقوده مالك عقار، كما ظهرت في تمرده على اتفاقات السلام الموقعة بينه وبين الحكومة الانتقالية. أما نشاط الحركة جنوباً فقد ظهر في خلق رياك مشار نائب رئيس دولة جنوب السودان ونائب رئيس الحركة عدداً من الخصومات والانشقاقات والنزاعات في الدولة الجديدة.

 

 

عقيدة الحركة

 

أسهمت في إنتاج عقيدة الحركة الشعبية لتحرير السودان عوامل عدة، منها التاريخية، ويمكن حصرها في علاقتها مع الحكومات الوطنية المتعاقبة في الشمال منذ الاستقلال، فقد كانت علاقتها عرضة لخلافات ومعارك كثيرة، انبنت على تصور تاريخي في الذهنية الجنوبية ناتجة من واقع تصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

أما السياسية، فيأتي على رأسها المطالبة بالمشاركة السياسية، التي نتجت عنها حملات للدفاع عن حق تقرير المصير، وهي الشكوى والمطالبات التي بدأتها الحركة، ومن ثم انتشرت لتشمل أقاليم أخرى.

أما العوامل العسكرية، فتنبع من واقع تجربة الحركة في إدارة العمليات القتالية في الغابات المطيرة والظروف الطبيعية الصعبة في الجنوب، ومنه اكتسبت المقدرة على تحويل بؤرة الاهتمام الرئيس لها من الدفاع عن أراضيها الداخلية إلى الهجوم على مواقع ومدن في الشمال.

هذه العوامل، شكلت عقيدة قتالية كانت نتيجة للدمج بين نهجها الثوري الذي يظهر عند القادة الجنوبيين الذين نالوا حظاً وافراً من التعليم في جامعات الدول الغربية، واستثماره في النهج المعادي للعرب الشماليين (الجلابة) الذين ارتبطوا بتجارة الرقيق، وبين حرب العصابات القائمة على الأرض التي يقوم بها الجنود العاديون. هذا المزيج شكل ما عليه الحركة الشعبية الآن، وحتى بعد انقسامها إلى حركة الجنوب وحركة الشمال، فقد ظلت تحتفظ بهذه العقيدة.

منذ بداية التمرد الجنوبي في خمسينيات القرن الماضي، كان لزاماً على الحركة الشعبية أن تكافح في بيئتها وبيئة أخرى معادية لوجودها، فخاضت الحروب مع جيش الحكومة المركزية منذ ذلك الوقت، إذ كان يتخذ صبغة سياسية إثنية، وبعد انقلاب “الإنقاذ” 1989 أُضيف بعد ثالث للصراع، وهو الديني بين شماليين مسلمين وجنوبيين مسيحيين.

 

 

وبهذا البعد تطورت العقيدة العسكرية للحركة، وأصبحت قائمة على الردع والإنذار الاستراتيجي، وتضمن بناء قدرات عسكرية تقليدية، تقوم على تعبئة قواتها نفسياً وذهنياً والاستعداد للانتقام، معتمدة على التدريب الفطري على الهجوم والدفاع لطبيعة عيش القبائل في الجنوب في صراعها مع بعضها، وصراعها مع الحيوانات المفترسة من أجل البقاء.

 

انشقاق متكرر

نشبت الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان في مرحلتها الأولى منذ عام 1955، واستمرت إلى عام 1983، وهو العام الذي تأسست فيه الحركة الشعبية لتحرير السودان كحزب سياسي بزعامة جون قرنق، ليكون رديفاً للجيش الشعبي لتحرير السودان. وقد بدا واضحاً اعتماد الحركة في تكوينها القبلي على أكثرها حظاً، وهي قبيلة الدينكا التي ينتمي إليها قرنق، والرئيس الحالي لدولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت.

وفي عام 1984 التحق رياك مشار بالحركة، وأسهم التحاقه كقائد بارز في استقطاب عدد من مقاتلي قبيلته (النوير) إليها. أما المرحلة الثانية من الحرب الأهلية فقد بدت أكثر شراسةً بعد انقلاب نظام الإنقاذ 1989، واستمرت حتى عام 2005 إبان توقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) التي مهدت لانفصال الجنوب إلى دولة مستقلة عام 2011.

لم يمر على دولة “جنوب السودان” سوى ثلاثة أعوام فقط من التوصل إلى اتفاق السلام في عام 2018، وتشكيل حكومة وحدة وطنية عام 2020 بعد حرب أهلية استمرت منذ عام 2013، حتى أعلنت الحركة الشعبية في 4 أغسطس (آب) الحالي عزل رئيسها رياك مشار من منصبه ومن ذراعها العسكرية (الجيش الشعبي لتحرير السودان).

وبحسب البيان الصادر عن الحركة الشعبية لتحرير السودان المنفصلة عن الحركة الأم والمعادية للحكومة، فإن “نائب رئيس دولة جنوب السودان رياك مشار فشل تماماً في إظهار صورة القيادي، وأضعف إلى حد كبير ثقل الحركة داخل الحكومة الائتلافية التي تشكلت في فبراير (شباط) 2020”.

وهذه ليست المرة الأولى، فقد جرى عزل مشار عدة مرات، كان آخرها عام 2016 بعد عام واحد من توقيع اتفاق السلام عام 2015 مع حكومة بلاده، التي قضت بتعيينه نائباً لرئيس الدولة ونائباً لرئيس الحركة، بعد نشوب الحرب بين قبيلتي الدينكا والنوير عام 2013، التي ظلت بعدها البلاد تحت نيران حرب وصراعات إثنية وعنف عرقي. ومع اتفاق السلام، ظلت قواته في مواقعها متمسكة بتنفيذ بند الترتيبات الأمنية المدرج في الاتفاقية، الذي نص على دمج العسكريين منهم في جيش الدولة.

 

مصدر قوة

 

مع وجود الدعم الذي ظلت تحصل عليه الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (جناح عبد العزيز الحلو) من الحكومة الانتقالية، أكثر من غيرها، فإن حركته شديدة الحساسية بالنسبة إلى سياسة الحكومة المركزية، وهذه عقدة راسخة منذ النظام السابق. كما تواجه حركته عدداً من الأخطار والتهديدات، من بينها استعدادها للانشقاقات.

وعلى الرغم من توقيع الحكومة في الشمال، واستقطاب حركة الحلو إلى الحكومة، فإن ذلك القرب قد يمثل خطراً عليها، إذ يلوح في الأفق ضرورة دفع ثمن أكبر من المحاصصات السياسية. عند التوقيع على اتفاق السلام بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة ضمن تحالف “الجبهة الثورية” في جوبا في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، انسحبت حركة الحلو من المفاوضات، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور التي تقاتل في إقليم دارفور.

وينبع مصدر قوة الحركة الشعبية (جناح الحلو) في الضغط على الحكومة من أنها تسيطر على مناطق استراتيجية في منطقة جبال النوبة، وتحظى بتأييد واسع من سكان المنطقة، كونها تضع شعار قضية تهميشهم في مقدمة سياستها. بينما يحظى الفصيل الآخر من الحركة الشعبية (جناح مالك عقار) الذي يقاتل في النيل الأزرق، بشعبية واسعة من أهالي المناطق المتاخمة للحدود الإثيوبية.

وظلت حركة الحلو هي الطرف الذي يصيغ مبادئ التفاوض، وكل ما توافق الحكومة على مجموعة بنود، ترفض حركته التوقيع وتضيف بنوداً أخرى. وفي كل الحالات كانت الحكومة الانتقالية ترحب بالمسودات، منها مسودة الاتفاق الإطاري المقدمة من الحركة، وعليه استؤنف التفاوض في 7 يونيو (حزيران) الماضي، وفق مسودة تتضمن 6 بنود، وتنص على “التفاوض على أساس إقامة دولة ديمقراطية، وبناء دستور يقوم على فصل الدين عن الدولة، مع احتفاظ الحركة بحق تقرير المصير في حال إخفاق المفاوضات في التوصل إلى اتفاق حول المبادئ الموقع عليها”.

 

كما تطالب الحركة بدمج قواتها ضمن الجيش السوداني، وهو مطلب “الجبهة الثورية” التي تضم الحركات المسلحة الأربع، بينما تريد الحكومة السودانية تنفيذ الترتيبات الأمنية أولاً قبل إصلاح القطاع الأمني.

 

حجر الزاوية

إن تجربة الحركة الشعبية في الشمال والجنوب تشير إلى أنها لا تستطيع أن تكون في غير مناطق العمليات والصراع، إذ تتوافر لقواتها قواعد وقوانين مرنة تمكنها من التدخل على نحو مؤثر ضد أي عمليات معادية لمهامها.

وفي المقابل لم تبذل الحكومة أي جهود عسكرية، لفرض الاستقرار على المناطق المستولى عليها وتأمينها، لذلك يصبح سكان المناطق ضحايا لتبعات التجاذب السياسي، بينما الحركة التي تتحدث باسمهم تتحرك وفقاً للمكاسب الآنية على أرض المعركة، وتعتمد المكاسب الأخيرة على التغييرات التي طرأت على البيئة القتالية على إثر انفصال الجنوب، ثم سقوط النظام السابق.

ظل هذا المنهج حجر الزاوية في العقيدة الاستراتيجية للحركة الشعبية على مدى عقود قبل أن يتطور إلى شكله الأخير. وعلى الرغم من الانتقادات لطبيعة تحركات زعماء الحركة في البلدين، وثبات مطالبهم دون النظر في التغيير السياسي في البلدين، فإن مجاراة نظامي البلدين لهم من دون تحقيق نتيجة إيجابية، رسخ من الاعتقاد القائل بأن هذا الأسلوب لا يعبر عن الظروف الاستثنائية، التي كانت تعيشها الحركة، بقدر ما يكشف الغطاء عن دوافع تصعيدها النزاعات في البلدين في كل الظروف.

وبما أن الحركة تمتلك في الجنوب كما في الشمال نطاقاً واسعاً من مسارح العمليات، فإنه قد يستمر هذا الوضع طويلاً، وهو يميل إلى الإبقاء على الأوضاع الراهنة كما هي، مستفيداً من موقف الحكومة السلبي من العمليات العسكرية الهجومية.

ومع الأخذ في الاعتبار الاختلاف الطفيف بين تقاليد الدفاع والأمن بين الشمال والجنوب، فالثابت أن الحركة تتحرك بعقيدة عسكرية واحدة، لكن في مسرحين مختلفين، وعلى الرغم من تاريخها الطويل في العمل العسكري، فإنها ما زالت تواجه العبء التاريخي كوقود لمعاركها مع النظام.

ولذلك لم تفلح اتفاقات السلام المبرمة خلال العقود الماضية من إنهاء الصراع، وعوضاً عنه أصبح الطرفان يحتفظان بدرجة عالية من الاستعداد القتالي من دون مراعاة للتحول السياسي في البلدين من نظام قمعي إلى حكومة ينتظر أن تفضي إلى انتخابات وتحول ديمقراطي.

 


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:
زر الذهاب إلى الأعلى