أعمدة الرأي

(همس الحروف) الباقر عبد القيوم علي يكتب…

الحكومة والطلاق المعلق

جاء رجل إلى إحدى محطات القطار من أجل أن يودع صديقه .. وفي هذه اللحظات أعلن القطار بصافرته للمغادرة من هذه المحطة التي بدأ يتحرك منها ببطء .. و بدأت مع حركته تزداد أصوات الناس ما بين ملوحين و مودعين وبعضهم يزرف الدموع السجية و هم يفارقون الاحبة من الأهل والأصدقاء مع أصوات دقات عجلات القطار مع القضيب بالمحطة و هنالك بعض الركاب الذين كانوا علي الارض يتجارون مسرعين للحاق وهم يتسلقون سلالم أبواب عربات القطار ليركبوا وكذلك بعض المودعين الذين كانوا في الداخل بدأوا يتدافعون أيضاً لينزلوا من القطار .. و أخذ القطار يزيد من سرعته بينما كان هنالك رجل يجري خلف القطار ليلحق به و بدأ القطار يخرج من المحطة رويداً رويداً ثم إنطلق ، هنا توقف الرجل الذي كان يريد اللحاق بالقطار عن الركض وضع يديه علي وسطه وبدأ يضحك بشدة .. حتى خال إلى البعض أن هذا الرجل يعاني من مرض نفسي و لكنه حينما سئل عن سبب ضحكاته العالية قال لهم : (أن صديقي الذي أتي من أجل وداعي داخل هذا القطار)

أتت هذه الثورة المجيدة من أجل تحقيق الوحدة بين مكونات هذا الشعب و وقف الحرب .. و هذه الوحدة لن تتحقق إلا ببسط السلام ولن يستقر الوضع إلا بتحقيق العدل وإزالة الأغبان ومنح مساحة واسعة مع الحريات و هذه الحريات لن يتذوق الشعب طعمها إلا إذا كان هنالك وعي مجتمعي يحفظ حدود هذه الحريات ويصونها دون التعدي علي حدود الآخرين

إحتد الصراع بين مكونات قوى الحرية والتغيير في إقتسام كعكة السلطة و لكن سيطر عليهم ضيق الأفق الذي يمكن بسببه ان يفقد الشعب كامل الثورة إذ إستمر هذا الصراع من أجل أخذ نصيب الأسد من كراسي الحكم .. فهذه السياسة الأحادية وعدم الشفافية في إتخاذ القرارات و عدم توسيع قاعدة الشورى في إختيار الولاة هو ما خلق هذه المشكلة ولذلك حدث التبابين في وجهات النظر

هذه الثورة التي مهرها الشباب بدمائهم لها مكتسبات يجب الحفاظ عليها بالغالي والنفيس… وكما أنها أتت من أجل الزيادة لا النقصان .. فهذه المكتسبات و أولها وحدة تراب الوطن وهذا يعتبر خط أحمر لن يقبل الشعب العبس به او مساسه .. و كما ان الأمر لا يحتمل أن يكون لعبة في أيدي الذين يتنافسون علي كراسي السلطة حسب المحاصصات لا سيما إذا أتت بالشخص الذي ليس له قبول عند البعض ، كما حدث ذلك في إختيار عدد من الولاة و منهم والي كسلا الذي إعترضت عليه قبيلة الهدندوة وذلك لأن إختيار بعض الولاة قد جاء على عكس مراد جماهير الولايات .. و لذلك نجد أن بعضهم قد سلك الخيار العكسي وهددوا بعدم البقاء في الوحدة من أجل الضغط و المساومة و ذلك يرجع لأمزجة الساسة الذين إذا إختلفت مصالحم نادوا بالخروج من هذه الوحدة.. و هذا السلوك ما يؤسف الشعب السوداني و يحبطه .. لأن كل من إختلف في رأيه مع الحكومة في أمر لوح بالبطاقة الحمراء و (الطلاق البائن) ، وهذا ما ذهبت إليه قبيلة الهدندوة التي صرح رئيس تجمع شبابها محمد سيدنا بشروع كيانهم في إعلان دولة البجا حال تعنت حكومة الخرطوم في فرض وصاياها على إنسان شرق السودان … فمثل هذا التهديدات تعتبر جريمة في حق الوطن و المواطن ويجب ألا يمرر هذا الأمر هكذا .. لأن الشعب السوداني شعب يحب التقليد .. فما حدث في نيرتتي من إعتصام إنتقل إلى الشرق في نفس اليوم.

يجب على الحكومة وحاضنتها السياسية (قوى الحرية التغيير) أن تعي تماماً أن إستمرار الحال من المحال وإذا دامت لغيرها لما وصلت إليها و لهذا يجب عليهم أن يوسعوا مساحة الشورى و الاهم من ذلك الأخذ بنتائجها وكما يجب عليهم أن يتحملوا المسؤولية التاريخية أمام الله و الشعب حيال ما قاموا به من بذر بذور الفتنة و الشقاق بين مكونات الشعب في عدد من الولايات التي بدأت تخرج أصواتها إلى العلن و لكن في هذه المرة لم يكن الطلب (حق تقرير المصير) كما عهدنا سماع هذه الجملة في العهد السابق و أنما كان التلويح بالإنفصال التام و إعلان دولة داخل دولة كما صرح بذلك رئيس شباب الهدندوة بإعلان دولة البجا حال تهميشهم .. و لهذا يجب على الحرية والتغيير أن يعوا أن في مثل هذه الحالات يجب عليهم أن يتحروا أقصى درجات الحكمة من أجل مصلحة الوطن لأن قطار هذه الثورة لن يتخلف او يتوقف أو ينتظر أحد .. و لكن سوف يتبدل ركابه في أقرب محطة و التي قطعاً سيتكرر فيها مشهد ذلك المودع الذي تحرك به القطار و ترك صديقه المسافر في نفس محطته يضحك علي نفسه بعد ان عجز عن اللحاق بالقطار.

(همس الحروف) الباقر عبد القيوم يكتب…


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى