أعمدة الرأي

(همس الحروف) الإعتذار الأقبح من الفعل/بقلم: الباقر عبدالقيوم

نبض السودان

كنت أريد ان أعبر إحدى الشوارع المكتظة بحركة السير في وسط الخرطوم ، سيراً على الأقدام و كانت الحركة فيه شبه متعثرة نسبة لتكدس أعداد كبيرة من السيارات فيه ، فرفعت يدي مستأذناً منهم حتي أتمكن من الدخول إلى نهر الشارع بأمان بين السيارات التي بالكاد ان يسمح سائقوها بترك مسافات بينها يمكن أن تسمح بعبور المشاة لأن أكثرهم ليس لديهم السعة في قلوبهم مع عدم الفهم الكافي من إجل أن يتركوا مسافات كافية تسمح بعبور الراجلين على أقدامهم دون قلق ، فنجد ان بعضهم يقومون بالإلتصاق الشديد مع السيارة التي أمامه حتي لا يسمحوا بدخول شفرة الموس بينهما و هذه هي أس التخلف في السودان الذي توارثه شباب اليوم من الثقافات التي بنيت على الأنانية التي تدعو إلى حب التملك الخاطي للمرافق العامة ، و لقد سبقهم في إكتساب هذه الثقافة جل الجيل الذي عاش في فترة الإنقاذ ولهذا نجد ان نسبة الذين أفسدوا في هذا العهد كبيرة جداً لانهم كانوا مهيئين لممارسة الفساد ، وحتى الذين لم يفسدوا في هذه الحقبة لم يكن ذلك من تقوى في قلوبهم حجبتهم من الوقوع في ذلك ، و انما لم تتوفر لهم الفرصة المناسبة والكافية لممارسة هذه الهواية ، وذلك لأن التربية كانت تقوم علي حب التملك وخصوصاً المرافق العامة و المال العام .

في أثناء محاولتي لعبور الشارع حاول أحدهم زيادة سرعته بالرغم من ان المسافة الخالية التي تسمح له بلحاق السيارة التي تتقدمه لا تزيد عن مترين ، و لهذا كنت مطمئناً جداً للعبور ، و لكن الرجل كان راكباً راسه حتى يحرمني من العبور امامه و لهذا لم يتوقف بالرغم من ان بقية السيارات التي كانت في حذوه توقفوا لي بادب جم ، ولكنه قام بدهسي ، فوقعت على الأرض من شدة الإصتدام و جزء من جسدي كان اسفل السيارة وبحمد الله لم اكن مقاصداً لاحد الإطارات ولهذا سلمت من الدهس الكامل ، فهب الكثيرون لنجدتي ورفعي من تحت السيارة ولكن الأمر الملفت للنظر ان صاحب هذه السيارة لم ينزل منها ، و كنت في تلك اللحظات قد وقفت علي أقدامي و بدات في القيام بتحسس جسدي الذي ما زال يؤلمني جداً و بحمد لله لم يكن هنالك كسر او إصابة واضحة وانما فقط رضوخ من شده الصدمة و من ألم الوقعة على الارض ، فقام بفتح زجاج نافذة سيارته بما يسمح له برؤيتي وقال لي حمداً لله على سلامتك و ثاني مرة حاول التأكد من رؤية حركة الشارع قبل العبور ، وكانه يريد ان يزجني في الخطأ زجاً ، مما إشتاط لذلك البرود غضبي ، وكدت ان اخرج عن ثوب وقاري ، فإدراكني بكلمة (آسف) فوقرت لي صدري اكثر مما كنت عليه ، فيمكن أن يكون الاعتذار في مثل هذه اللحظات قد يقلل من شدة الإحتقان إذا كان فعلاً نابعاً من القلب .

فالإعتذار هو أدب رباني من أجل تصحيح الخطاً بشرط ان يكون بنية صادقة تبتدئ بالإعتراف بالذنب والندم عليه و التوبة عن تكراره مرة اخرى ، و هو الإستغفار عن الأفعال المخالفة او التي تتعدى إلى حقوق الآخرين ، و يجب ألا تكون فقط مجرد عبارة نلفظها بالسنتنا كعبارة (آسف) او (إعتذر) و التي تعتبر غير كافية لتمريرها في بعض الحالات من أجل طلب الصفح أو نسيان الأخطاء التي وقعت ، و خصوصاً التي تتعلق بحقوق الآخرين او التي ينشأ منها الضرر الشخصي ، فتكون عبارة عن كلمة جوفاء و عاجزة عن وصف مضمونها لأنها لن تجبر الضرر الذي وقع ، وخصوصاً إذا كانت من أجل التخلص من الإحراج فقط .

لم إستطع تقبل الإعتذار منه لانه تعامل معي ببرود و إستعلائةٍ و نرجسيةٍ ، حتى لم يجاملني و لو بالنزول من سيارته ، و كما لم تبدو عليه أو تظهر منه أى علامة من علامات الندم التي تجعل من أقواله التي تلفظ بها بعبارة (آسف) من طرف لسانه تنطبق مع أفعاله جنبا إلى جنب ، و خصوصاً بعد ان حاول ان يريني ما يزدحم به كتفيه من دبابير ، و كانه كان يتحداني بانه ضابط رفيع يتبع لأحد الأجهزة النظامية التي لا اريد ذكر إسمها حتى لا أقوم بأحراج مؤسسته التي يتبع لها بتكوين راي عام ضدها بسبب وجود امثاله في صفوفها ، و يحمل هذه الرتبة الرفيعة ، و ما زلت إحتفظ بحقي الشخصي ضده ، إذا لم يقم بإزالة هذا الغبن الذي أدخله في قلبي بنرجسيته ، وخصوصاً ان جسدي ما زال يؤلمني جداً من أثر هذا الحادث الأليم والذي كان متعمداً مع سبق الإصرار ، و الذي وقع فيه ظلم كبير علىّ ، و لم اسلم منه بكامل عافيتي ، و كما لم أجد منه الإعتذار اللائق الذي كان من الممكن ان يجبر بخاطري ، مثل ما يقول المثل الشعبي (ميتة وخراب ديار) و الحمد لله على ما اراد الله .

(همس الحروف) خطورة ما بعد السلام/ بقلم : الباقر عبد القيوم


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى