أعمدة الرأي

(همس الحروف) شهادتي في محاكم الدعم السريع العسكرية – بقلم : الباقر عبد القيوم

نبض السودان

العدالة كلمة فتقت أذاننا منذ ان عرفنا الحياة و ما زال يرددها الناس كثيراً و يحبون ان تكون قائمة بينهم ، و هي تعني التقويم و تعديل المعوج من الأشياء وجعلها مستقيمة ، و هي مأخوذة من أسماء الجلالة و هو العدل و يعني الحق والإنصاف و هو نقيض الظلم ، و عبرها يطمئن الناس على حقوقهم و بها تهنأ الحياة بالعيش تحت مظلتها إذا إستطاعت السلطات الحاكمة في الدول من تحقيق مضمونها الذي يدعم الرقابة المجتمعية بردع الإعوجاج المجتمعي وتقويمه و حفظ الحقوق الخاصة والعامة فينخفض معها معدل الجريمة عند إشاعة العدل بين الناس وذلك لخوف المتجاوزين من بطشها فهي شديدة و تقف بجانب المظلوم حتى تأخذ له حقه من الظالم و بعد ذلك تحفظ المسافات بينهم و لهذا تعتبر العدالة هي الحافظ والضامن للحقوق حال إنتهاك المتجاوزين للقانون و اللوائح المنظمة ، وذلك بالعدل دون ان يظلم طرف على حساب الطرف الآخر.

بتأريخ سابق كتبت مقالاً عن إستغلال النفوذ في صناعة الجريمة و كانت أحداث قصة هذا المقال تدور حول بعص أفراد من الدعم السريع إستغلوا وظيفتهم الرسمية في عملية كانت أشبه بالنصب و الأحتيال مع أحد المواطنين ، و حينما وصلت هذه المعلومة إلى قيادة الدعم السريع التي تعاملت معها بكل مهنية و حسم بالقانون ، حيث تم تحويل القضية إلى الدائرة القانونية بالدعم السريع التي يترأسها العميد حقوقي وليد البيتي و الذي يعتبر من أميز القضاة العسكريين الذين يوطنون بمهنيتهم لإقامة العدل في سوح المؤسسات العسكرية بحيث لا يظلم أحد من أطراف النزاع في دائرته التي يتوخى فيها أعلى معايير الجودة في تطبيق القانون الذي يفسح للخصوم الإستعانة بكل ما هو متاح من القانون لتوصيل صوتهم للعدالة.

بدعوة كريمة كنت من ضمن الحاضرين لسير هذه القضية بمحاكم الدعم السريع ، و في السابق كنت إعتقد لدرجة اليقين ان جل المحاكم العسكرية عبارة منصات صورية كما يشاع عنها و هي غير ملزمة بتطبيق العدالة وفق ما يسمح به القانون أو حتى لا تفسح المجال للمتهمين او خصومهم بتقديم بيناتهم كاملة او الإستعانة بمحامييهم او الدفاع عن انفسهم بكل الوسائل المتاحة، وكنت اعتقد جازماً ان الاحكام التي تصدر عنها عبارة عن أحكام تم إعدادها مسبقاً حسب ما تريده المؤسسات العسكرية.

و لكن الواقع قد كذب كل معتقداتي السابقة التي ما زالت تعشعش في اذهان الكثيرين من افراد هذا الشعب عن سوء وجور المحاكم العسكرية ، و بعد ما أمر رئيس دائرة القضاء بالدعم السريع سعادة العميد حقوقي وليد البيتي ببداية الجلسة التي جعل فيها طرفي النزاع ان يشعرا برحابة سعة صدر المحكمة ، و وقف حاحب المحكمة بإنتباه شديد ونادى بأعلى صوته (محكمة) و بدات الجلسة بالإجراءات الاولية بأخذ البيانات من طرفي النزاع حيث بدأ بالشاكي وكان على اليمين في تقديم شكواه وبيناته في الواقعة، وتبعها بعد ذلك أن افسح القاضي المجال للمتهم لتقديم أسئلته التي يعتقد بانها تتقاطع مع رواية الشاكي و بعدها ذهبت المحكمة لإستجواب الشاكي و لم تترك له لا شاردة او واردة تتعلق بهذه القضية حتى سألته عنها و شهوده ، و بعد ذلك جاء دور المتهم ليحكي قصته بإسهاب شديد ، فلم تقاطعه المحكمة حتى يشعر بالطمانينة الكاملة مثلما افسحت للشاكي نفس الفرصة ، و لقد كان صدر المحكمة واسعاً وكما لم يكن الزمن لها شاغلاً ليقوموا بإنهاء الجلسة التي إستمرت حوالي الست ساعات او يزيد و التي لم يتململ القضاة فيها من طول المدة ، و كما لم أشعر انا بقلق احد اطراف النزاع و كلاهما كانا مطمئناً لمعايير جودة تطبيق القانون معهم ، وكل ذلك كان من اجل سرعة البت في الحكم بدون مطاولة في الزمن كما يحدث في بعض المحاكم المدنية.

تم رفع الجلسة لإحضار بقية الشهود و لم يتم تأجيلها شهراً كما سار إتجاه ظني في ذلك الإتجاه ، بل كان يوماَ واحداً حتي لا يمكث المتهم في الحبس كثيراً إذا لم يكن مذنباً و هذا يعتبر من باب سماحة العدالة .. و نسبة لتزامن سير نفس القضية في المحاكم المدنية و حتى لا يحدث إلتباس في سير العدالة إكتفت المحكمة بالنظر في ما يتعلق بالمخالفات التي تتعلق بخرق القانون العسكري وتركت بقية القضية للقضاء المدني لياخذ العدل مجراه فيها ، و أصدرت حكمها بكل مهنية بعد تلاوة الوقائع و الملابسات التي أُوضحت للمتهم في مخالفاته للقانون العسكري التي اقر بإرتكابه لها ، و قبل الحكم و بعد توجيه الإتهام للمتهم سالته المحكمة عن أى اسباب يمكن ان تكون مقنعة لها من اجل تخفيف الحكم عنه ، فذكر منها ما ذكر وجاء حكمها بإدانة المتهم و تم طرده من الخدمة و إكتفت بمدة حبسة التي كانت تزيد عن شهر من الزمان ، و من واقع رحابة عدل المحكمة هتفت والدة المتهم بعبارة (يحيا العدل) ، و لقد جاء هذا الحكم مرضياً للجميع و لم يمتعضه أحداً من طرفي النزاع ، وذلك إن دل أنما يدل على عدالة المحكمة و رضاء الطرفين بذلك … و هذه القضية تعتبر من الاسباب التي جعلتني ان اعيد صياغة قناعاتي في نزاهة المحاكم العسكرية التي ما زالت موضوع شبهة عند الكثيرين.

(همس الحروف) بيع الموت – بقلم :الباقر عبد القيوم


إضغط هنا للإنضمام لمجموعات نبض السودان على واتساب

إقراء أيضاً:

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى